حديث الروح
بقلم الاديب : د/علوي القاضي .
... رحمه الله ، عاش حياته كلها جابرا للخواطر ، ولم يتأخر عن تقديم خدماته ، التي شملت القاص والدان ، ولم يسمع كلمة شكر واحدة ، أو تعبير فيه ثناء أو مدح ، وكان يهب مايفعله لله ، وابتغاء مرضاة الله ، فقد كان يضع الحديث (ما معناه) نصب عينيه (من عبادي من إختصهم الله بقضاء حوائج الناس حببهم في الخير وحبب الخير إليهم ، هم الٱمنون من عذاب الله يوم القيامة) ، وكان دائما يدعو الله بحسن الخاتمة ، فقد داهمه المرض ، وظل ملازما فراشه خمس سنوات ، حتى وافته المنية ، لم يزوره أو يسأل عنه أحد ، وكأنه لم يكن ، وتبخرت علاقاته وخدماته وصولاته وجولاته عند رب السماء ، فكان يحتسب كل ذلك عند الله ، لعلها تثقل ميزانه يوم القيامه
... وهنا راودني سؤال فلسفي قد يكون غريبا على مسامعكم (لماذا نبدو أثمن حينما نموت ؟!)
... لماذا حينما نموت ، نبدو للآخرين شيئاً ثميناً فقدوه وللتو شعروا بقيمته ؟! ، ثم يفتشون في حياتنا الماضيه و ذكرياتنا ، وتفاصيل عباراتنا وأدق حركاتنا ، ثم يسرعون في البكاء علينا ، ويتلمسون آثار خطواتنا وذكرياتنا ، ويقلبون دفاتر أيامنا والبومات صورنا ، ويضعونها في أيقونات في برامج التواصل الإجتماعي ، ويكتبون فينا الكلام الجميل ، والنثر البديع وتبدأ أوجه وعلامات الحزن شاهدة في كل مناسبة ، وكل ناحية من روتين حياتهم
... لم يكن شيئاً عسيراً ، أن يفعلوا ذلك ونحن أحياء ؟! ، وأن يبوحوا لنا بحبهم ، وأن يشعروا بالندم حيال أخطائهم و خيباتهم المتكررة نحونا ، فلم يكن بالأمر الصعب أن يبادلونا الحب والضحكات واللحظات السعيده التي نحلم بها ، وأن يكونوا أصدقاء قريبين كما يجب
... لماذا حين نموت نكون أثمن بالنسبة لهم ، ونكون شيئاً يستحق البكاء بحرارة ، فقط حين يغلق دوننا ودونهم باب الموت ، ياللعجب
... سؤال صعب والإجابة أصعب ، ولكنني أعتقد أننا في هذه الحياة الدنيا ضيوف فقط ، ندخل العالم فترة من الزمن ، ومن ثم تسحب منا ورقة العمر ، هي لحظات بسيطة ، نقضيها في دروبها ومتاهاتها ، ولا نعلم متى يقال فلان رحل أو فلان مات ، إنها جسر يصل بين ولادة ووفاة ، ولا نعلم كم طول هذا الجسر
... اليوم قد يكون أحباؤنا قريبين لكنهم سيكونون قريبا بعيدين ، وحينها سنتألم كثيرا لأننا لم نودع في آذانهم وقلوبهم مشاعرنا
... حقا سنندم على أننا لم نمض معهم الوقت الذي يليق بأهميتهم في حياتنا ومحبتنا لهم
... خطأنا أننا نعتقد دائما أن الغد سيمنحنا وقتا كافيا لنستمتع فيه مع أحبتنا ، لكن ترحيل أمنياتنا إلي الغد هو أكبر خدعة صنعناها في التاريخ ، إنه يمنحنا ذريعة لقتل الفرص العظيمة المتاحة لنا اليوم ، لقد وفرنا له كل السبل لسرقة لحظاتنا الجميلة
... إن أسوأ شيء نرتكبه في حقنا أن نضع أمنياتنا في حقائب الغد ، أحملوا أمنياتكم على أكتافكم ، دعوها ترافقكم هذه اللحظة وكل لحظة ، أكتبوا واخرجوا واستمتعوا مع أحبتكم اليوم ، عيشوا اللحظة الآن حتى لا تظلوا بقية حياتكم مسجونين خلف قضبان الندم ، كونوا قريبين مِـن زوجاتكم وأزواجكم وأولادكم وأمهاتكم وذويكم وأرحامكم ومن تحبون ، قَبل أن يطرق باب الفراق حياتكم
... أطال الله في أعماركم وبارك في صحتكم وأحسن خاتمتكم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق