يسير بسرعة،وينظر للأفق البعيد،طويل القامة،يرتدي لباسا تعلقت به الأوساخ،اما شعره فطويل،يتدلى على كتفيه،خصلة تلو الأخرى،شبيهة بالظفاير،ظفاير لفها الدهر،وزادتها الأتربة التصاقا،شعره لم يعرف الماء منذ مدة، أما المشط فلم يزره،لذلك يبدو شعر الدرويش،كعش اللقلق الذي يفضل الأعمدة الطويلة ليعشش، ويرعى صغاره.
من حين لآخر يتطوع واحد من أهل القرية فيأخذ الدرويش لمصب ماء شبيه بالشلال،موجود في منحدر الوادي،لكنه صعب المسالك ،لا تجد أين تضع قدميك لكثرة للحجارة والأشواك والتوائه وكأنه طريق ثعبان حفر أخدوده،يغسل الدرويش ويتبرد،فيتحول إلى صف الآدميين.
السكان لا يعرفون الكثير عن الدرويش،نهضوا ذات صباح فوجدوه بينهم،هو لطيف ومهادن لا يؤذي الناس،لا يتكلم إلا نادرا،حتى ظن الكثير أنه أبكم، وإذا تكلم يرمي مفردات وجمل بالمعاني ،تحتاج للشرح والتفسير،كما يقول أهل القرية، لذلك يحسنون إليه، فيطعمونه،أثر الدرويش فيهم بتنبؤاته لأنها تصدق أحيانا،ويمدهم بقوة العزيمة والطاقة الإيجابية،صار طالعهم ومبشرهم بالخير، فكثيرا ما يقول :هذا العام ،هو عام الخير ،عام القمح مع الشعير،وعام الخرفان والحليب ،وإذا رأى امرأة حاملا على وشك الولادة يقول: سيعيش ويأتي ومعه رزقه، وبيده مفتاح ،فالفقر لم يترك لهم شيئا لذلك فكلام الدرويش يعوض عليهم قليلا في احلام اليقظة، ويمنيهم فيمتطون أحصنة بيضاء مجنحة،يطوفون بها في البراري ويرون مدفونهم يخرج من اللاشعور فيحسون بأنه يتحقق فيعيشون لحظات سعادة وحبور مسروقة من الزمن.
صار الدرويش فردا من أهل القرية،فإذا غاب سألوا عنه،لا يرغبون في غياب فألهم وطالعهم،لقد أنبأهم ذات مرة بمجيئ عواصف رعدية وسيول،ومادامت لغته بالمعاني لم يفهمه إلا القليل،في تلك الليلة اكفهرت السماء واسودت وانفجرت الرعود بقوة غير متوقعه،أحس أهل القرية باقتلاع افئدتهم ،وخافوا كثيرا، وحملت الفيضانات ما حملت،وهدمت بعض البيوت ،وكان قبلها الدرويش أشار لاهل القرية وهو يصيح : أهربوا! أهربوا! جاءت مكومة سوداء،تأخذ الشجر والحجر ! أهربوا! الفوق،الفوق،غطوا رؤوسكم،ياربي استر،يارحيم غطينا بجناحك.
مدة من الزمن والعلاقة طيبة بين الدرويش وأهل القرية،إلا أن جاء ذلك اليوم حينما أمسك بعض الشباب الدرويش وكتفوه بغية محاكمته،لكفره وادعائه بمعرفة الغيب،وهب القرويون لساحة الزيتونة،كبيرهم وصغيرهم عازمين على نصرة درويشهم إن تعرض لأذى من قبل هذه المجموعة التي يسميها أهل القرية بالفرقة الضالة التي فهمت الدين بالمقلوب،وهي فرقة عنيفة متعطشة للدم .
وقرئت لائحة الإدانة والتهم ضد الدرويش والكل بأعين شاخصة وقلوب مرتعدة ينظرون للدرويش وهو صامت،حتى الأطفال صاروا ينادونه: عمي الدرويش بعدما كانوا يخافونه ويهربون،نطق الأطفال حمس أهل القرية ودفعهم للصباح: اطلقوه حالا،فهو مظلوم! واعطيت الكلمة للدرويش ليدافع عن نفسه،وبعد صمت وإلحاح من السكان الذين دفعوا دفعا ليتكلم قال: أحبكم كلكم بطباعم كما أنتم،وأغطيكم ببرنوسي،لم ارتكب ذنبا سوى أنني ساعدتكم على سقي بذرة الخير،وإخراج أحلامكم من الدهاليز لترى النور،اشتقتم للبسمة فأهديتها لكم وتعطشتم لحياة أفضل،فمنيتكم،ولم يتمم الدرويش حديثه حتى قفز فرد من الفرقة،وبيده خنجر وهو يردد: سأريك يا مجنون!ياكافر،،ويعلو الصياح، وتعم الفوضى،وفي هذا الوقت بالضبط تهتز الأرض ويخرج دخان كثيف يحجب الرؤية! ويضيع الدرويش،وكأن الأرض ابتلعته،لا أثر له ،ويندهش ويتعجب أهل القرية! أما أفراد الفرقة فيهربوت ويغادرون القرية خوفا من أهلها،ومن انتقامهم .
وتمضي أيام عديدة ويقول الكثيرون بأنهم رأوا الدرويش متكئا عل جذع الزيتونة ووجهه جميل مضيئ وهو يبتسم ،وبيده مصباح صغير.
ومن يومها صارت ساحة الزيتونة رمزا ومعلما للاجتماع وفك الخلاف وإصلاح ذات البين،والغريب أن المظلوم والمطارد صار يلجأ للزيتونة ليستجير بها، فلا يجرؤ أحد على الا قتراب منه.
عبدالعزيز عميمر .كاتب وقاص من الجزائر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق