ذَاتُ خَرِيفٍ، مُتَقَلِّبُ الْمِزَاجِ، انْهَمَرَتْ عَلَى قَلْبِي غُيُومُ الْحُزْنِ، مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ، أَمْطَرَتْ أَوْجَاعًا لَا طَاقَةَ لِي بِهَا. انْتَابَنِي قَلَقٌ وَحَيْرَةٌ وَتَوَهُانٌ، لَا خَلَاصَ لِي سِوَى الِاسْتِسْلَامِ. أَسْقَطَنِي قَلْقِي عَلِيلًا عَلَى فِرَاشِ الْيَأْسِ. نَاجَيْتُ رُوحِي وَأَنَا أُلَفِّظُ أَنْفَاسِي فِي حُزْنِي غَرِيقًا: يَا رُوحِي، كَيْفَ النَّجَاةُ مِنْ خَرِيفٍ يَحُت أَوْرَاقِي، وَيَقْتُلُ فِيكِ الْأَخْضَرَارَ؟ اسْتَيْقَظْتُ عَلَى صَوْتِ نَبْضٍ كَأَنَّهُ دَبِيبٌ يَجُسُّ شَغَافَ قَلْبِي، فَانْسَابَتْ رُوحِي كَانْفِلَاقِ الْبَذْرَةِ فِي الصَّبَاحِ، فتَنعش جَسَدِي النَّحِيلُ، كَانْسِيَابِ زَوْرَقٍ فِي مَاءِ نَهْرٍ سَاكِنٍ بِلَا أَمْوَاجٍ. وَتَحَرَّرَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَقْبِضِ الْوَجَعِ، تَدْفَعُ بِي بِصَمْتٍ صَوْبَ الْبَحْرِ. وَقَفْتُ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، تَأَمَّلْتُ فِي عَالَمٍ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الْعَنَاءَ. غَازَلَنِي إِصْبَعِي بِغَوَايَةِ الْحُرُوفِ، كَتَبْتُ كُلَّ أَحْزَانِي وَأَوْجَاعِي عَلَى رِمَالِ الشَّاطِئِ، لِتَبْتَلِعَهَا الْأَمْوَاجُ بَعِيدًا عَنِّي، وَاغْتَسَلْتُ بِضَوْءِ الْأَمَلِ مِنْ دَرَنِ الْإِسْقَامِ. وَبَعْدَ أَنْ انْتَهَى إِصْبَعِي مِنْ كِتَابَةِ وَجَعِي الْآخِرِ، تَعَافَيْتُ مِنْ حَيْرَتِي، وَتَبَدَّدَ الْقَلَقُ، وَعُدْتُ إِنْسَانًا آخَرَ، تَمْلَأُهُ الْمَشَاعِرُ وَالْأَحَاسِيسُ.
عبدالكريم حنون السعيد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق