تجيء الخواطر إلى النفس كما تأتي النسائم إلى البحر؛ لا تُستأذن، ولا تُردّ. غير أنّ بعضها يُقيم في الأعماق، كأنّه سرٌّ قديم تذكّرته الروح بعد نسيانٍ طويل. تلك الخواطر هي التي تأسر القلب، لا لأنها غامضة، بل لأنها صادقة، خرجت من منبعٍ لم تفسده المظاهر ولا الأهواء.
وما تعانقُ الأرواح إلا لحظةُ صدقٍ بين عقلين تلاقيا في فكرةٍ واحدة، وإن افترقت بينهما المسافات. فليس القرب أن تتقابل الوجوه، ولكن أن تتجاوب القلوب في صمتٍ يعرف لغتهما وحدهما.
إنّ الفكر حين يسمو، يحرّر الروح من ضجيج الأرض، ويجعلها تتلمّس طريقها نحو الأبدية. هناك، حيث لا يُقاس الجمال بالعيون، ولا تُوزن القيم بالذهب، بل تُدرك بالبصيرة التي ترى ما وراء الظاهر، وتسمع نداء الحقّ في همس المعنى.
كلّ إنسان يحمل في صدره عالماً خفيًّا، فيه أنينُ الحيرة، وفيه بريقُ الأمل، وبينهما تدور الخواطر أسرى، تبحث عن من يُنصت إليها لا بأذنه، بل بروحه. فإذا وجدت من يفهمها، انكسرت قيودها، وتحرّرت من سجنها، وتعانقت الأرواح كما تتعانق أنوار الفجر حين تبشّر بيومٍ جديد.
...محمد الامين بشير الجزائري...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق