الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد (صلى
الله عليه و سلم) أما بعد : عباد الله : نُريد أن يكون لنا وقفات مع النفس
نُحاسِبُها فيها ، لكي يرى كُل واحد منا ، أقواله، وأفعاله وحركاته و
سكناته ومكنون قلبه ، هل هي موافقة لمفهوم الكتاب والسنة أم أن هناك بعض
انحراف عن طريق الله (عز وجل ) ، فإن كان هوى النفس موافقاً للكتاب والسنة
حَمد الإنسان ربه ، وإن كان هناك بعض انحراف قَوم وهَذب طريق حياته حتى
يعود إلى جَادة الطريق ، هذه الوقفات تُجدد الإيمان وتُقوي اليقين بالله (
عز وجل ) ، و تشرح الصُدور وتُزيل الهم والضيق من النفوس .
دعانا الله ( عز وجل ) لعقد هذه الوقفات عن طريق طرح الآيات القرآنية التي
تُثير التساؤل والتفكر والتعقل ومراجعة الذات والضمير ، يقول الله ( عَزَّ
وجل ) في سورة الجاثية: { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا
السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ }.
في
هذه الآية الكريمة استفهام يوجهه الله ( عز وجل ) لذوي الأفهام ، هل
تعتقدون يا أصحاب العقول السوية ، أن من سلك طريق المعاصي والذنوب ، يستوي
مع من سلك طريق الطاعة والعبادة والانقياد لله ورسوله، في الحياة الدنيا
وفي الآخرة ؟. بالطبع لا يستوي الطائع والعاصي كما لا يستوي الظل والحر ،
كما لا يستوي الحي والميت ، فالطائع يحيا حياة طيبة في الدنيا والآخرة ،
والعاصي يحيا حياة مُخزية في الدنيا والآخرة .
الله (عز وجل ) يدعونا إلى تأمل حال الطائع والعاصي في الآخرة ، فحال
العاصي في الآخرة ، أن يكون في النار ويأكل من شجرة الزقوم ، قال الله ( عز
وجل ) في سورة الدخان:{ إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأثِيمِ *
كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ }.
تأمل يا عبد الله: شجرة الزقوم شجرة تنبت في النار ، ولا تأكلها النار ،
كما تأكل النار في الدنيا الأشجار ، قال الحق تبارك وتعالى في سورة
الصافات:{ أَذَلِكَ خَيْرٌ نزلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا
جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي
أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ *
فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ }.
قال
الإمام ابن بطال رحمه الله : ( قال تعالي : ( إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ
طَعَامُ الأَثِيمِ ) ، وقال تعالى : ( إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى
أَصْلِ الْجَحِيمِ ) ، فأخبر أنها تنبت في النار ، وأما قول الكفار : كيف
يكون في النار شجرة ، والنار تأكل الشجر ، فإن هذه الشجرة التي أخبر الله
أنها في أصل الجحيم هي مخلوقة من جوهر لا تأكله النار كسلاسل النار
وأغلالها وعقاربها وحَياتها ) .
شجرة الزقوم طعام أهل النار ، لو أن قطرة من مائها أُلقيت على طعام أهل
الدنيا ، لفسد الطعام ، وما استساغ أحد أن يأكل منه لُقمة واحدة ، فكيف
يكون حال من هي طعامه ؟. إنه بئس الطعام أعاذنا الله بحوله وقدرته ، روى
الإمام الترمذي بسنده عَنْ عبد الله بنِ عَبَّاسٍ ( رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُما) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ): ( لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ
الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ
الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ ) .
وأما
الطائع في الآخرة يتقلب في نعيم الله ( عز وجل ) ، حيث قال سبحانه وتعالى
في سورة الواقعة: { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ
الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ *
وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ
عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ *
بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لَا يُصَدَّعُونَ
عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ
طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ
الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَسْمَعُونَ
فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا *
وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ *
وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ *
وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ
مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ
أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ
الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ }.
اللهم اجعلنا من أهل الطاعة وجنبنا المعاصي ما أحييتنا .
بقلم . د / عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق