الخميس، 25 ديسمبر 2025

الرباط الفكري بين جبران خليل جبران ومي زيادة : بقلم الاديبة انتصار قاسمي

 

الرباط الفكري بين جبران خليل جبران ومي زيادة


 

بقلم الاديبة انتصار قاسمي 

 

بعيدا عن الروايات التاريخية التي تسرد تفاصيل وملابسات ماجمع الكاتب العبقري جبران خليل جبران بالكاتبة المتمردة مي زيادة، والتي تقول ان هذا الرباط الفكري العميق نشأ منذ 1912 برسالة أرسلتها مي عقب قراءتها لكتاب "الأجنحة المتكسرة"..وظلت بعدها تلك الرسائل الفكرية الأدبية رائحة غادية لمدة عشرين عاما بين هاتين القامتين الأدبيتين دون أن يلتقيا وجها لوجه!!!
الى أن توفي جبران عام 1931، وكان هذا الأخير يصفها بأنها "علم من أعلام النهضة الأدبية العربية"
و بعيدا عن كل النقد وسيل الأقلام حول طبيعة هذه العلاقة ومسماها ...
أردت أن أفتح هذه الأوراق الصفراء العتيقة وأنفض الغبار عن عطرها الروحي الفواح..وأجود برؤيتي حول مابثته هذه القصة في خلدي وروعي..
كثيرا ما يطول الحديث عن التوافق الروحي والفكري بين الأشخاص وهو بأمانة نادر الحدوث وسط امواج الحياة المتلاطمة ، وانشغالاتها الكثيرة، وإيقاعها المتسارع...
برأيي المتواضع..ان ماكان بين جبران ومي ..تجانس لايحدث إلا في حالات نادرة ، كما نسميه في لغة الفيزياء ان يكون عقلان او روحان او نمطان فكريان على نفس طول الموجة او نفس التردد الطاقي ، يطرح احدهما الفكرة فيكملها الاخر ، وكانهما وجهان لعملة واحدة ، ترى نفس الحقيقة مثلا باللون الوردي في كتابات مي ، وهي هي دون تغيير ولكن باللون البنفسجية مثلا في كتابات جبران، معزوفة متكاملة من الإثنين في تناغم رائع جميل مطلق، مريح للقلب والعقل يبدأ عزفها أحيانا جبران يحكمو وحنكة الرجال ، لتكملها مي بتقاطيع الانوثة والرحمة الربانية الساحرة فيكونان لحنا خالدا غير مقصود أو مجهز أو مرتب،، فإذا انتقلت بين القطع النثرية التي ينظمها الاثنان لتفهم أكثر عنهما معا ؟؟ تجد نفسك تنتقل بين خانات لوحة شطرنج محكمة النضد يصنعها الإثنان معا في جمال من التكامل والتناغم غير المسبوق!!
وتجد نفسك امام مشهد حضاري راق من المشاعر والافكار الانسانية الجميلة ، مساحة من الراحة والأمان والطمأنينة لاتدفع إلا للإلهام والتحفيز والإبداع، وصنع الروائع الانجازية التي تخطف الأنفاس وتستوقف العقول ..!!!
من المؤسف جدا ان مثل هذه التوافقات الروحية بين البشر حتى وإن حدثت لايكتب لها التوفيق والتمام ، وطالما افترق أهلها وابتعدوا وكان العالم كان أضيق من ان يستوعب هذا الجمال والصفاء والنقاء، ..
لم أعرف مي زيادة شخصيا ، لاننا ولدنا في زمنين مختلفين، لكنني جالستها ، وحادثتها كثيرا ، التقيت بها البارحة ، وبكيت كثيرا من مأساتها ، ومن شعورها الدافق لجبران ، وتألمت ..لألمها ووحدتها ..وودعتني في الصباح الباكر..
شارحة لي صدقها ووفاءها ، وتجردها عما يخدش الشعور او النبل الانساني..اشكر لها صداقتها ، وكرمها معي ...
بعد وفاة جبران، عانت مي زيادة من الوحدة القاتلة ومن فقدان الحافز والدافع ،أصيبت مي بانهيار نفسي ودخلت المستشفى وعانت من مرضها حتى وفاتها.
نحن نستهلك الروائع الأدبية كقراء ولكننا لا ندرك الكم الهائل من العواصف الوجدانية وبراكين الإحساس ..التي قادت أصحابها ..الى نضدها بالشكل البسيط الذي وصلنا ..
وكم من حرائق ضارية في أعماق الروح لا يرى منها الناس إلا رمادا تذروه الرياح ..حين تخمد النار ..
عودي الى زيارتي يا صديقتي مي ..ولا تنسي غابة بيتي..والسلام لروحك النقية ..
 
د.انتصار قاسمي
الجزائر 25/12/2025

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ذاك التحدي العنيد بقلم الشاعرة: عاتكه عياشي

  ذاك التحدي العنيد   بقلم الشاعرة: عاتكه عياشي سكن اعماقي صامت بليد لايخضع يسرح بحلم بعيد بينه وبين الخنوع جليد يعلم ان للسقم ابعاد لاتقاس ...